العيني
151
عمدة القاري
( بيان اللغات ) قوله : ( آية الإيمان ) أي : علامة الإيمان ، واصلها : أوية ، بالتحريك ، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، قال سيبويه : موضع العين من الآية واو ، لأن ما كان موضع العين واواً وموضع اللام ياءً أكثر مما موضع العين واللام ياآن ، مثل : شويث أكثر من : جبيت ، وتكون النسبة إليه : أوي . قال الفراء : هي من الفعل : فاعلة وإنما ذهبت منه اللاَّم ، ولو جاءت تامة لجاءت : آيية ، ولكنها خففت ، وجمع الآية : آي وأياي وآيات . ويقال في النسبة إلى آية : آيي ، والمشهور أن عينها ياء ، ووزنها فاعة . لأن الأصل : آيية ، فحذفوا الياء الثانية التي هي لام ، ثم فتحوا التي هي عين لأجل تاء التأنيث . قوله : ( الأنصار ) جمع ناصر ، كالأصحاب جمع صاحب ، ويقال جمع نصير : كشريف وأشراف ، والأنصار سموا به لنصرتهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ولد الأوس والخزرج ابنا حارثة أو ثعلبة العنقاء ، لطول عنقه ، ابن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن ، وهو جماع غسان بن الأزد ، واسمه دراء ، على وزن فعال ، ابن الغوث بن نبت يعرب بن يقطن وهو قحطان ، وإلى قحطان جماع اليمن ، وهو أبو اليمن كلها . ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل فيقول : قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل . هذا قول الكلبي ، ومنهم من ينسبه إلى غيره ، فيقول : قحطان بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام ، فعلى الأول العرب كلها من ولد إسماعيل عليه السلام ، وعلى الثاني من ولد إسماعيل وقحطان ، وقال حسان بن ثابت . * أما سألت فإنا معشرٌ نجبٌ الأزد نسبتنا ، والماءُ غسان * وغسان : ماء كان شرباً لولد مازن بن الأزد ، وكان الأنصار الذين هم الأوس والخزرج يعرفون قبل ذلك : بإبنيْ قَيْلة ، بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، وهي الام التي تجمع القبيلتين ، فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم ، الأنصار ، فصار ذلك علماً عليهم ، وأطلق أيضاً على أولادهم وحلفائهم ومواليهم . ويقال : سماهم الله تعالى بذلك فقال : * ( والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً ) * ( الأنفال : 74 ) . قوله : ( النفاق ) هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، وقال ابن الأنباري : في الاعتلال في تسمية المنافق منافقاً ثلاثة أقوال : أحدها : أنه سمي به لأنه يستر كفره ويغيبه ، فشبه بالذي يدخل النفق ، وهو : السرب ، يستتر فيه . والثاني : أنه نافق كاليربوع ، فشبه به لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه . والثالث : أنه إنما سمي به لإظهاره غير ما يضمر ، تشبيهاً باليربوع ، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر . ونافق اليربوع أخذ في نافقائه ، ونفق اليربوع أي استخرجه ، والنافقاء إحدى حجرة اليربوع ، يكتمها ويظهر غيره ، وهو موضع يرققه ، فإذا أتى من قبل القاصعاء ، ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي : خرج . ثم أعلم أن النفاق هو ، بكسر النون ، وأما النفاق ، بالفتح ، فهو من : نفق البيع نفاقاً إي : راج ، ونفقت الدابة نفوقاً أي : ماتت ، والنفاق بالكسر أيضاً جمع النفقة من الدراهم وغيرها ، مثال ثمرة وثمار ، ونفِقت نِفاق القوم بالكسر ينفق نفقاً بالتحريك ، أي : فنيت ، وأنفق الرجل ماله وانفق القوم نفقت سوقهم ، وقال تعالى : * ( خشية الانفاق ) * ( الإسراء : 100 ) أي : خشية الفناء والنفاد ، وقال قتادة : أي خشية إنفاقه . وقال الصغاني : التركيب يدل على انقطاع الشيء وذهابه ، وعلى إخفاء شيء وإغماضه . ( بيان الإعراب ) قوله : ( آية الإيمان ) كلام إضافي مرفوع بالابتداء وخبره قوله : ( حب الأنصار ) ، ومثل هذه تسمى قضية ثنائية ، وأهل المعقول يشترطون الرابطة ويقولون : التقدير في مثلها آية الإيمان هي حب الأنصار ، كما يقدرون في نحو : زيد قائم زيد : هو قائم ، ويسمونها : قضية ثلاثية ، وقد ضبط أبو البقاء العكبري : إنه الإيمان حب الأنصار ، بهمزة مكسورة ، ونون مشددة ، وهاء الضمير ، وبرفع الإيمان فاعربه ، فقال : إن للتأكيد ، والهاء ضمير الشان ، والإيمان مبتدأ ، وما بعده خبره ، والتقدير : إن الشان الإيمان حب الأنصار ، وهذا مخالف لجميع الروايات التي وقعت في الصحاح والسنن والمسانيد ، وما أقربه أن يكون تصحيفاً قوله : ( وآية النفاق ) أيضاً : كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : ( بغض الأنصار ) خبره . ( بيان المعاني ) فيه ما قال أهل المعاني من : إن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين تفيد الحصر ، ولكن هذا ليس بحصر حقيقي ، بل هو حصر ادعائي تعظيماً لحب الأنصار ، كان الدعوى أنه ؛ لا علامة لإيمان إلاَّ حبهم ، وليس حبهم إلاَّ علامته ، ويؤيده ما قد جاء في صحيح مسلم : ( آية المؤمن من حب الأنصار ) ، بتقديم الآية ( وحب الأنصار آية الإيمان ) بتقديم الحب . فإن